منتدى ابورزق
اهلا وسهلا بك اخي الزائر في منتدى ابورزق قم بالتسجيل

من قصائد محمود درويش طليلة البروة

اذهب الى الأسفل

من قصائد محمود درويش طليلة البروة

مُساهمة من طرف aborzg في الخميس 23 فبراير 2012, 11:48

في «طللية البروة»، وهي من قصائد محمود درويش الأخيرة، يقف الشاعر على أطلال قريته كما وقف ذات يوم أمرؤ القيس على أطلال مضارب عشيرته بسقط اللوى، وكما وقف شعراء جاهليون وغير جاهليين سواه. «البروة» هي القرية الصغيرة التي ولد فيها الشاعر، وهي تقع شرق مدينة عكا وعلى بعد كيلو مترات قليلة منها ولكنها واحدة من ٥٠٠ قرية فلسطينية محاها اليهود من الخريطة ومن الواقع ولم يبق لها من أثر إلا في ذكريات من ولد ونشأ فيها ولم يزل حياً إلى اليوم. كان محمود عام ١٩٤٨م في نحو الخامسة أو السادسة من عمره. في عام النكبة ذاك لجأ مع والديه إلى جنوب لبنان ولمدة بسيطة إذ قرر الوالد العودة إلى فلسطين. عاد الجميع إلى البروة ليجدوا أن الإقامة فيها مستحيلة فلجأوا إلى قرية أخرى وأقاموا فيها. ومع الوقت تحوّلت البروة إلى قفر خالٍ من الحياة.
يا صاحبي قفا.. يقول محمود في قصيدة البروة، تماماً كما قال امرؤ القيس من قبل. يقف على أطلال ما كان يُسمّى بالبروة، ويصف ما يشاهد ويروي ذكريات طفولته فيها: «هنا وتحت سماء ما على حجرٍ وأدمته لتبزغ في الربيع شقائق النعمان. هنا كسر الغزال زجاج نافذتي لأتبعه إلى الوادي. هنا حملت فراشات الصباح الساحرات طريق مدرستي. هنا هيأتُ للطيران نحو كواكبي فرساً».. إنه يتحدث حديثاً رومانسياً عذباً عن ذكريات أيامه بالطفولة، بل عن حكايته الأولى: «حليبي ساخن في ثدي أمي، والسرير تهزه عصفورتان صغيرتان، ووالدي يبني غدي بيديه».. وعندما يقول له سائح افتراضي يرافقه في البروة، وقد شاهده منفعلاً: انتظر اليمامة ريثما تُنهي الهديل، يجيبه الشاعر: «تعرفني وأعرفها»، أي إنه عرفها عندما كان في البروة. فإذا سأله هذا السائح عما إذا كان يرى خلف الصنوبرة مصنع الألبان الذي أقامه اليهود، يجيب الشاعر: «كلاّ! لا أرى إلا الغزالة في الشباك».. يقول: والطرق الحديثة هل تراها فوق أنقاض البيوت؟ أقول: كلاّ! لا أراها. لا أرى إلا الحديقة تحتها، وأرى خيوط العنكبوت» إنه يصرّ على رؤيته السابقة للبروة، ويرفض مصنع الألبان، والطرق الحديثة، إذ لا يرى في ذاكرته وأعماق نفسه سوى الحديقة التي بُنيت الطرق فوقها، كما يرى خيوط العنكبوت التي كانت من أشياء الحديقة!
لم يشاهد محمود درويش وهو يقف على البروة سوى شبحها أو أشباح ما كان ومن كان فيها. إنه أسير ماضيه فيها، وأسير ذكرياته. يرفض مصنع ألبان اليهود ويرفض طرقهم الحديثة ويتشبث بما كان، ولا يريد أن يتعزى لأن «بروته» قد بادت إلى الأبد!
في التوراة ترد العبارة التالية عن أم يهودية فقدت أبناءها تُدعى راحيل: «راحيل تبكي على أبنائها ولا تريد أن تتعزّى لأنهم ليسوا بموجودين». محمود درويش يشبه تماماً تلك الأم الثكلى. يقف على أطلال البروة ولا يريد أن يتعزى لأن البروة لم تعد موجودة. وهل يمكن أن يعزى لأن اليهود أقاموا مصنعاً فوق أرض البروة، أو لأن طرقاً حديثاً تمرّ فوق أرض سريره الأول، ومهد آبائه وأجداده؟
حدثت مأساة في التاريخ الحديث لم يشهد العالم مثيلاً لها منذ بدء الخليقة. هذه المأساة هي مأساة الشعب الفلسطيني الذي انتزعت أرضه منه وهُجّر منها، وباتت عودته إليها، في ظل موازين العالم المعاصر وقواه الفاعلة، من رابع المستحيلات.. الجلاّد يظهر أمام العالم بمظهر الضحية التي تضطر للدفاع عن نفسها، في حين أن الضحية الحقيقية لا تجد إلا في النادر من يقف إلى جانبها. بل إنها لا تجد أحداً لأن الغالبية العظمى تقف مع عدوها. أما البقية الباقية، فإما أنه لا حول ولا قوة لها، وإنما هي تبحث عن عدالة رخوة شبه ميتة، أو عن حقيقة لا تلبي شروط الحقيقة كما هي منصوص عنها في كتاب القيم والمثل والعدالة. على أن كل ذلك لا يفوت محمود درويش. فإذا كان قد أنهى طللية البروة، بوقفة تراجيدية تعيد الحياة إلى الشعر الملحمي:
أقول أرى الغياب بكامل الأدوات
ألمسُه وأسمعه، ويرفعني إلى
الأعلى. أرى أٍقصى السماوات القصية.
كلما مت انتبهت، ولدت ثانية وعدت
من الغياب إلى الغياب..
فإنه يعود إلى أطلال القضية كلها عندما يتحدث عن جرحه وجرح فلسطين ولا يجد قاضياً حيادياً يفصل فيها ويجري تنفيذ الحكم. ويرد ذلك في «طللية» أخرى في ديوانه الأخير عنوانها: «لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي». عنوان هذه الطللية: «على محطة قطار سقط عن الخريطة» يتحدث فيها عن ضياع فلسطين، ويرفض أن يصدق ما حصل، ولا يقتنع إلا بما يقوله له حدسه:
كل ما في الأمر أني لا أصدق غير حدسي
للبراهين الحوار المستحيل. لقصة التكوين
تأويل الفلاسفة الطويل. لفكرتي عن عالمي
خلل يسببه الرحيل. لجرحي الأبدي محكمة
بلا قاضٍ حيادي. يقول لي القضاة المنهكون
عن الحقيقة: كل ما في الأمر أن حوادث
الطرقات أمر شائع. سقط القطار عن
الخريطة، واحترقت بجمرة الماضي. وهذا لم
يكن غزواً!
ولكني أقول: وكل ما في الأمر أني
لا أصدق غير حدسي
لم أزل حياً..
تفتقد قضية فلسطين، كما يقول محمود درويش، المحكمة الحيادية والقاضي المحايد، ولأن الأمر كذلك، فإن الإفك أو الباطل ينجح في تصويرها وفق هواه، لا وفق مبادئ الحق والعدالة. ولكن هل يستطيع الباطل أن يصول وأن ينتصر إلى ما لا نهاية؟

المصدر: منتديات ماسات - من قسم: مكتبة ماسات العامة

aborzg
Admin

المساهمات : 187
تاريخ التسجيل : 23/02/2012

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://aborzg.hooxs.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى